الشيخ محمد هادي معرفة

164

التفسير الأثرى الجامع

وهذا من الإرفاق بشأنهنّ ، فلا يزعجن بالخروج عمّا ألفن به من الحياة السعيدة ، فور فقدان الأزواج . والظاهر اختصاص الآية بمن لا ولد لها من الزوج المتوفّى ، وإلّا فلها البقاء بحقّ ميراث ولدها من متاع . على أنّ الأولاد لا يقومون بإزعاج أمّهاتهم فور فوات الآباء ، فلا موضع لتوصيتهم بعدم الإخراج . على أنّ المعهود عند كبر الآباء أن يزوّجهم الأبناء من يكفل أباهم من النساء الأيّمات ، وكانوا إذا مات ، متّعوهنّ شيئا ويدعوهنّ لشأنهنّ ويخرجونهنّ من البيوت ، إذ لا شأن لها عندهنّ بعد فوت الأب . هذا وقد نهاهم اللّه عن ذلك ، وأوصى بهنّ الإمهال لمدّة سنة ، ليتمكّنّ من جمع شملهنّ والإعداد للخروج . وهذا المعنى للآية ، في غنى عن أيّ تقدير ، هو خلاف الأصل . والآية صريحة في أنّ الّذين يتوفّون منكم - خطاب لأهل الميّت - ويذرون أزواجا - الظاهر : أن لا علاقة لها تصلها بالأسرة - فعند ذلك يوصي اللّه وصيّة لهنّ - الظاهر في الانتفاع ورفاه الحال بهذه الوصيّة . أمّا القول بأنّها وصيّة بالحداد لمدّة سنة ، فهو خلاف ظاهر هذا التعبير الرقيق الرفيق ! ! وعلى هذا فلا منافاة بين هذه الآية وآيتي الميراث والاعتداد . فلا موجب للقول بالنسخ بعد عدم ضرورة تدعو إليه . على أنّه لا مجال للنسخ في آيات أحكام نزلت بالمدينة بعد فترة سنوات من الهجرة ، إذ كيف يعقل من آية نزلت في أخريات سورة البقرة - حوالي السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة - وكانت تهدف إلى تقرير عادة جاهليّة ، لغاية تعديلها ، ثمّ نسخها بآية نزلت من ذي قبل ؟ ! كلّ ذلك خلاف ظاهر تعبير الكتاب . ومن ثمّ فالقول بالنسخ هنا مردود من وجوه : خلاف ظاهر التعبير . خلاف الاعتبار العقلاني في تشريع الأحكام . وخلاف الأصل في مسألة النسخ ومسألة التقدير في الكلام من غير ضرورة تدعو إليه .